X إغلاق
X إغلاق
مراسلة الموقع

وداعا يا شيخ القراء وإلى اللقاء في جنة عرضها الأرض والسماء

الكاتب: الشيخ زياد زامل أبو مخ
 | 04-09-2016 - 16:42 | التعليقات: 0
وداعا يا شيخ القراء وإلى اللقاء في جنة عرضها الأرض والسماء

رحل عنا شيخ جليل، علمه طبق الآفاق، واليه اشرأبت الأعناق، حبا وثناء وصدقا ووفاء لسيرته المترعة بفضائل الأعمال وعظيم الخصال ... إنه المرحوم الشيخ محمد سعيد ملحس، الذي أجرى الله تعالى على يديه نعمة تدريس أحكام تلاوة القرآن في مختلف البلدان، وكان نصيب مدينة (باقة الغربية) النصيب الوافر، فقد نالت من وابل فضله، ما جعل أبناءها يظاهرونه على مودة وتقدير ويحفظون له قدره ومنزلته، ففي العام 1975، أقيم ( المعهد الديني الإسلامي )، الذي أشرف عليه المرحوم الشيخ زامل أبو مخ ورعاه المرحوم الشيخ ياسين القواسمي، شيخ الطريقة الخلوتية، الذي دعا المرحوم الشيخ محمد سعيد ملحس، لتدريس أحكام التلاوة والتجويد، فهو أول طارق علم التلاوة والتجويد في المجتمع المسلم في البلاد، فله القدح المعلى في الفضل في نشر هذا العلم، واستمر على هذا النحو يخرج الأجيال تلو الأجيال على اختلاف الأعمار، ذكورا واناثا، حتى العام 1998، منها أربع سنوات في كلية الشريعة والدراسات الاسلامية، ومنها في المسجد القديم، لذا نال من ثناء الناس ما نال، والثناء ينبئ عن حب صادق، فاضت به حنايا القلوب وتناثرت على أرجاء النفوس، وهكذا أنشأ أجيالا أولياء لكتاب الله تعالى ونصراء لأحكامه، نشروا لواء علمه وحملوا فواضل خلقه وهم يعرفون الناس بأنفسهم على أنهم الرصيد الذي استخرجوه من جراب علم شيخهم الذي آتاه الله بصيرة، أمضى بنورها سنين طوال، جعلته معلما للقرآن ومرجعا لأحكامه، وقد نجح في استنبات طلبة حملوا علمه، تراهم يتسابقون إلى النسبة إليه بالتلمذة الوفية وهم مبثوثون في مراكز التحفيظ وتعليم أحكام التلاوة والتجويد في شتى البلاد ومنهم في باقة الغربية من يقومون على تدريس أحكام التلاوة والتجويد، فجزاهم الله خير الجزاء وثقل الله موازينهم بالحسنات والقربات.

كان المرحوم الشيخ محمد سعيد ملحس، تجمعه مع والدي الشيخ زامل أبو مخ – رحمه الله – صحبة صادقة وأخوة عجيبة، إذ كنت ترى فيهما صورة الأسوة الحسنة والأمانة لهذا الدين العظيم والإخلاص في خدمة رسالة الإسلام ونفع المسلمين، تحابا وتواصلا على سماط خلق واحد، لما أمتعهما الله من إخلاص ودأب ونشاط، ترى أثر ذلك في ذكرهما على الألسن، وحياتهما الواصلة بالأجيال المتعاقبة.

لم يقف الأمر عند ذكر المرحوم، الشيخ محمد سعيد ملحس، على أنه رائد التأصيل لعلم أحكام التلاوة والتجويد في البلاد، وعلى أنه يجاري في إتقان مخارج الحروف، شيخ المقارئ المصرية، المرحوم الشيخ محمود الحصري، بل يذكر بما امتن الله عليه من نعمة الخلق الفاضل، فقد أشربت نفسه خلق القرآن، فليس يغني من الحق شيئا أن نقول، إن تلقي الطالب عنه علم الأحكام كان له بالغ الأثر في اكتساب ما كان يجود به الشيخ من الأدب والسلوك، بما لا سبيل إليه إلا بالتلقي والاكتساب المباشر، فاستجلاب حب الناس له ،كان سببه ما عليه من أخلاق حميدة، ومن أبرز ما كان عليه: حرصه على تطبيق السنة النبوية واستيعاب الخلافات الفقهية بقلب كبير، دون أن ينثني عن لفت نظر من خالف السنة في صلاته وسلوكه ولكن بأدب جم وبأسلوب سائغ منقطع النظير.

 نذكره على أنه الذاكر المستغفر، يحافظ على ورد يلازمه وأدعية يرددها.

 نذكره بالابتسامة المرتسمة على محياه، وقد ازداد بها مهابة وهيبة وقناعة بأن البشاشة (أسلوب دعوة) وأنها علامة الثقة بالله وحسن الظن به ،تزيد المؤمن استبشارا وإقبالا على الله تعالى.

نذكره بمثابرته وصدق عزيمته، فكان سلوكه الدائم في كل يوم جمعة هو أداء صلاة الصبح في المسجد الحنبلي في نابلس – إماما - ، ثم التوجه مباشرة إلى التدريس في دار القرآن الكريم في المعهد الديني الإسلامي في باقة الغربية، مدة ثلاث وعشرين عاما .

 نذكره بصدقه مع الله وعلامات صدقة كانت بادية على أقواله وسلوكه وشدة التزامه وقلبه النابض بحب للناس والخير لهم.            

إن سيرة المرحوم، الشيخ محمد سعيد ملحس، تحتاج إلى جهد كبير لتصوير حياته المفعمة بخدمة القرآن العظيم وتحتاج إلى إبراز المواقف والمشاهد التي عاشها طيلة حياة زكاها الله تعالى وباركها، فمعرفة الرجال الربانيين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، يحتاج إلى دراية ،نضجت على وقود عاطفة صادقة، تذكي شعلة الاخلاص لله في سرد سيرة رجل حباه الله واختاره ليكون قدوة للناس في حياته وبعد مماته في الاقبال على القرآن الكريم بكل كيانه، وتعهد قلبه الرقيق بغذاء المراقبة والذكر وقراءة القرآن وتعليم أحكامه.

 إن عزاءنا برحيل شيخنا، الشيخ محمد سعيد ملحس، ما خلفه من علم وسلوك، نستشعره ونحياه، وإني أناشد أهلي في باقة الغربية وغيرهم من المسلمين في جميع البلاد، أن يكونوا للمرحوم، الشيخ محمد سعيد ملحس، أوفياء، بحمل غيرته على كتاب الله تعالى - قراءة وفهما واتقانا لأحكامه وتطبيقا لقواعده وتعليمه الناس -  وعزاؤنا أيضا ما خلفه من أبناء بررة اقتفوا أثره ونهجوا منهجه، فالله يحميهم ووالدتهم، ويقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم اجعل القرآن الكريم جليس المرحوم في قبره وشفيعا له يوم القيامة ...آمين.

أضف تعليق